فخر الدين الرازي

156

تفسير الرازي

تزوج بامرأة من بني إسرائيل فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل ، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا ، فهو قوله : * ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) * . والقول الثاني : إن المراد من قوله : * ( بعثنا عليكم عباداً لنا ) * أن الله تعالى سلط عليهم جالوت حتى أهلكهم وأبادهم وقوله : * ( ثم رددنا لكم الكرة ) * هو أنه تعالى قوى طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود حتى قتل جالوت فذاك هو عود الكرة . والقول الثالث : إن قوله : * ( بعثنا عليكم عباداً لنا ) * هو أنه تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم . واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم ، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط عليهم أقواماً قتلوهم وأفنوهم . ثم قال تعالى : * ( فجاسوا خلال الديار ) * قال الليث : الجوس والجوسان التردد خلال الديار ، والبيوت في الفساد ، والخلال هو الانفراج بين الشيئين ، والديار ديار بيت المقدس ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير جاسوا فعن ابن عباس فتشوا وقال أبو عبيدة : طلبوا من فيها . وقال ابن قتيبة : عاثوا وأفسدوا . وقال الزجاج : طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه . قال الواحدي : الجوس هو التردد والطلب وذلك محتمل لكل ما قالوه . ثم قال تعالى : * ( وكان وعداً مفعولاً ) * أي كان قضاء الله بذلك قضاء جزماً حتماً لا يقبل النقض والنسخ ، ثم قال تعالى : * ( ثم رددنا لكم الكرة ) * أي أهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم : * ( وجعلناكم أكثر نفيراً ) * النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه ، والنفير والنافر واحد ، كالقدير والقادر ، وذكرنا معنى نفر عند قوله : * ( فلولا نفر من كل فرقة ) * ( التوبة : 122 ) وقوله : * ( انفروا خفافاً ) * ( التوبة : 41 ) . المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : * ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً ) * وهذا القضاء أقل احتمالاته الحكم الجزم ، والخبر الحتم ، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبراً جزماً لا يقبل النسخ ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه . ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال : * ( وكان وعداً مفعولاً ) * .